مجمع البحوث الاسلامية

334

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

دليل على أنّ جميع الأشياء بمشيئة اللّه وإرادته ، حتّى إيمان المؤمن وكفر الكافر . ( 2 : 150 ) أبو حيّان : والحرج : كناية عن ضدّ الشّرح ، واستعارة لعدم قبول الإيمان ، والحرج : الشّديد الضّيق . . . وينتصب ( ضيّقا حرجا ) على الحال ، أي يخلقه على هذه الهيئة فلا يسمع الإيمان ولا يقبله . [ إلى أن ذكر القراءات وأضاف : ] وهذا تنبيه - واللّه أعلم - على جهة اشتقاق الفعل من نفس العين ، كقولهم : استحجر واستنوق . ( 4 : 217 ) السّمين : ( حرجا ) و ( حرجا ) بفتح الرّاء وكسرها : هو المتزايد في الضّيق ، فهو أخصّ من الأوّل ، فكلّ « حرج » ضيق من غير عكس . وعلى هذا فالمفتوح والمكسور بمعنى واحد ؛ يقال : رجل حرج وحرج . ومن غريب ما يحكى أنّ ابن عبّاس قرأ هذه الآية ، فقال : هل هنا أحد من بني بكر ؟ فقال رجل : نعم ، قال : ما الحرجة فيكم ؟ قال : الوادي الكثير الشّجر المشتبك الّذي لا طريق فيه . فقال ابن عبّاس : فهكذا قلب الكافر . هذه هي رواية عبيد بن عمير . وقد حكى أبو الصّلت الثّقفيّ هذه الحكاية بأطول من هذا عن عمر بن الخطّاب ، فقال : « قرأ عمر بن الخطّاب هذه الآية ، فقال : أبغوني رجلا من بني كنانة واجعلوه راعيا ، فأتوه به ، فقال له عمر : كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير . وبعضهم يحكي هذه الحكاية عن عمر كالمنتصر لمن قرأ بالكسر ، قال : قرأها بعض أصحاب عمر له بالكسر ، فقال أبغوني رجلا من كنانة راعيا ، وليكن من بني مدّلج ، فأتوه به ، فقال : يا فتى ما لحرجة تكون عندكم ؟ فقال : شجرة تكون بين الأشجار ، لا تصل إليها راعية ولا وحشيّة ، فقال : كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير » . قال الشّيخ - أبو حيّان - : وهذا تنبيه - واللّه أعلم - على اشتقاق الفعل من اسم العين ، كاستنوق الجمل ، واستحجر . قلت : ليس هذا من باب استنوق واستحجر في شيء لأنّ هذا معنى مستقلّ ومادّة مستقلّة متصرّفة ، نحو : حرج يحرج ، فهو حرج وحارج ، بخلاف تيك الألفاظ فإنّ معناها يضطرّ فيه إلى الأخذ من الأسماء الجامدة . فإنّ معنى قولك : استنوق الجمل ، أي صار كالنّاقة ، واستحجر الطّين ، أي صار كالحجر ، وليس لنا مادّة متصرّفة إلى صيغ الأفعال من لفظ الحجر والنّاقة . وأنت إذا قلت : حرج صدره ، ليس بك ضرورة أن تقول : صار كالحرجة ، بل معناه : تزايد ضيقه . وأمّا تشبيه عمر بن الخطّاب فلإبرازه المعاني في قوالب الأعيان مبالغة في البيان . وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم : ( حرجا ) بكسر الرّاء ، والباقون بفتحها ، وقد عرفا . فأمّا على قراءة الفتح فإن كان مصدرا جاءت فيه الأوجه الثّلاثة المتقدّمة في نظائره ؛ وإن جعل صفة فلا تأويل . ونصبه على القراءتين : إمّا على كونه نعتا ل ( ضيّقا ) ، وإمّا على كونه مفعولا به تعدّد ؛ وذلك أنّ الأفعال النّواسخ ، إذا دخلت على مبتدإ وخبر ، كان الخبران على حالهما ، فكما يجوز تعدّد الخبر مطلقا ، أو بتأويل في المبتدأ والخبر الصّريحين ، كذلك في المنسوخين ، تقول : زيد